الخميس، 14 ديسمبر 2017

. قرى مصرية.. تسلم أبناءها للبحر

كتب : محمد شهدى سلطان 

 البطالة والفقر.. يدفعان آلاف الشبان المصريين إلى الانحراف.. أو الهجرة غير الشرعية
 قبل 5 أعوام، أراد فلاح مصري من قرية تطون بمحافظة الفيوم (120 كيلومترا جنوب القاهرة) أن يرسل ابنه الأكبر إلى إيطاليا، بطريقة غير شرعية، فلجأ إلى أحد سماسرة التهريب، الذي حصل منه على 20 ألف جنيه (نحو 3770 دولارا) مقابل تسفير ابنه، آملا في أن يعود الولد ومعه ما يكفى من أموال لتزويج شقيقاته البنات، إلا أن البحر المتوسط ابتلع المركب الصغير الذي كان يستقله الابن مع مئات من أقرانه، وعندما عرض السمسار على الوالد إعادة الأموال التي دفعها، كما هي العادة في تلك الأحوال، رفض الأب وطلب تسفير ابنه الأوسط مكان الأكبر، ليتكرر المشهد بكامل تفاصيله من جديد.
ورغم أنه فقد اثنين من أولاده، إلا أن فكرته لم تتغير، وقرر تسفير ابنه الأصغر، الذي نجح بالفعل في الوصول الى إيطاليا، ولكن بمجرد تسلمه عمله، بلغه نبأ وفاة والده الذي لم يهنأ بفرحته بنجاح ابنه في الوصول إلى الطرف الآخر من البحر المتوسط.
ووفقا لإحصائيات رسمية أصدرتها وزارة الخارجية المصرية، فقد ابتلع البحر المتوسط 153 شابا خلال محاولتهم التسلل لأوروبا بطريقة غير شرعية، وفقد 158 آخرين، وتم القبض على 972 شابا فور وصولهم للسواحل الأوروبية المختلفة، وتم ترحليهم إلى مصر.
لعل السبب في ضخامة العدد يعود الى ان الشباب يواجه ظروفا اقتصادية واجتماعية صعبة، يخيم عليه شبح البطالة، ويصبح أمامه خياران أحلاهما مر، الأول الانحراف، الثاني الهجرة غير الشرعية، نظرا لصعوبة سفره بالطرق الشرعية، إما لارتفاع تكاليفها أو صعوبة إجراءاتها. ولكي يحقق حلمه بالسفر يبيع الشاب ما يملك وأحيانا ما لا يملك ثمنا لما يطلبه سماسرة الهجرة غير الشرعية، على أمل العودة بحال مغاير.
تطون.. شدموه.. كفر حسان.. نوسا الغيط.. ميت الكرما.. قرى مصرية كثيرة في دلتا مصر وصعيدها، ابتلع البحر زهرة أبنائها الذين قرروا الخروج من أوضاعهم متسترين بجنح الليل، وأعينهم مليئة ببريق الأمل ويعودون بعد أن خلت أعينهم من بريق الحياة ذاتها. عادوا قابعين داخل نعوش خشبية حملتهم من المطار إلى القبور مباشرة، والأفضل حظا منهم عادوا مكبلين بالقيود الحديدية ليقضوا سنوات من شبابهم خلف القضبان.
اللافت للنظر أن معظم الشباب المصريين الذين يتسللون إلى أوروبا يأتون من محافظات الدلتا بشمال مصر، خاصة من قراها، بل ان هناك قرى تخصصت في إرسال أبنائها إلى دول أوروبية بعينها، ففي قرى مدينة المحلة الكبرى التابعة لمحافظة الغربية هناك قرية تسمى محلة زياد، تخصص أبناؤها في السفر إلى فرنسا حتى أطلق عليها «باريس». وفي إجازة الصيف يمكن أن يرى المرء عشرات الشقراوات الفرنسيات وهن يتجولن في أزقة القرية بصحبة أزواجهن وأولادهن الذين يجمعون بين الملامح الشرقية والفرنسية، وهناك قرية قطور البلد التابعة لنفس المحافظة التي تخصص أبناؤها في الذهاب إلى اليونان، بينما يفضل أبناء قرية منشية نجاتي، التابعة لمحافظة المنوفية السفر إلى ألمانيا، وتتخصص بعض قرى الفيوم في السفر إلى ايطاليا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمدونة أخبار العرب 2013