الأحد، 14 يناير 2018

المشروعات الصغيرة وأثرها على التنمية والقضاء على البطالة

كتب/ محمد شهدى سلطان 

تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة إحدى القطاعات الاقتصادية التي تستحوذ على اهتمام كبير من قبل دول العالم كافة والمنظمات والهيئات الدولية والإقليمية، والباحثين في ظل التغيرات والتحولات الاقتصادية العالمية، وذلك بسبب دورها المحوري في الإنتاج والتشغيل وإدرار الدخل والابتكار والتقدم التكنولوجي علاوة على دورها في تحقيق الاهداف الاقتصادية والاجتماعية لجميع الدول.
وتشكل المشروعات الصغيرة والمتوسطة اليوم محور اهتمام السياسات الصناعية الهادفة إلى تخفيض معدلات البطالة في الدول النامية والدول المتقدمة صناعيا بصرف النظر عن فلسفاتها الاقتصادية وأسلوب إدارة اقتصادها الوطني وتكتسي المشروعات الصغيرة أهميتها في الدول العربية من مجموعة اعتبارات تتعلّق بخصائص هياكلها الاقتصادية والاجتماعية، ونسب توفر عوامل الإنتاج، والتوزيع المكاني للسكان والنشاط. ويمكن إيجاز أهم الظواهر الإيجابية التي تقترن بقطاع الأعمال الصغيرة فيما يلي:
1. تتميّز هذه المشروعات بالانتشار الجغرافي مما يساعد على تقليل التفاوتات الإقليمية، وتحقيق التنمية المكانية المتوازنة، وخدمة الأسواق المحدودة التي لا تغرى المنشآت الكبيرة بالتوطّن بالقرب منها أو بالتعامل معها.
2. توفر هذه المشروعات سلعاً وخدمات لفئات المجتمع ذات الدخل المحدود والتي تسعى للحصول عليها بأسعار رخيصة نسبياً تتفق مع قدراتها الشرائية (وإن كان الأمر يتطلب التنازل بعض الشيء عن اعتبارات الجودة).
3. تحافظ على الأعمال التراثية (حرفية / يدوية) التي تمثل اهمية قصوي للاقتصاد المصري وتنمية هذه المشروعات الحرفية التقليدية الصغيرة يفتح الابواب لتشغيل الشباب خاصة المرأة وايضا يفتح ابوابا للتصدير بكميات كبيرة تدر دخلا للاقتصاد القومي‏,‏ ولذا يجب الحفاظ علي هذه الصناعات التقليدية من الاندثار‏.‏ والمطلوب من رجال الأعمال والدولة إقامة جمعيات أهلية متخصصة لمساندة الحرفيين وإتاحة الفرصة أمامهم للتدريب والتعليم طبقا لأحدث التقنيات مع الحفاظ علي الهوية المصرية الأصيلة، مع التأكيد على أهمية رعاية الدولة لهم نفسيا وماديا واجتماعيا حتي يستطيعوا الخروج بمنتجات تتميز بالابداع والاصالة‏.‏
4. تساعد المشروعات الكبيرة في بعض الأنشطة التسويقية والتوزيع والصيانة وصناعة قطع الغيار الأمر الذي يمكن المشروعات الكبيرة من التركيز على الأنشطة الرئيسية وذلك يؤدي إلى تخفيض تكلفة التسويق.
5. يمكن أن تكون مصدراً للتجديد والابتكار وتسهم في خلق كوادر إدارية وفنية يمكنها الانتقال للعمل في المشروعات الكبيرة.
6. إنها وعاء للتكوين الرأسمالي من حيث امتصاصها للمدخرات الفائضة والعاطلة فضلاً عن إنها توفر فرصاً استثمارية لأصحاب المدخرات الصغيرة.
في نهاية عصر الاقتصاد الموجَّه والشركات الحكومية الضخمة المملوكة للدول، باتت المشاريع الصغيرة والمتوسطة تمثل أكثر من 98 في المائة من مجموع المؤسسات العاملة في معظم دول العالم، وباتت مسؤولة عن نسبة تصل إلى نصف الإنتاج الوطني لهذه الدول، بينما توفر هذه المشروعات نحو 60 في المائة من مجموع فرص العمل. ومما لا شك فيه أن التقدم التكنولوجي الهائل وتحرير الأسواق من خلال العولمة قد أديا إلى إيجاد تحديات جديدة أمام هذه المشروعات وخاصة في الدول النامية. ومواكبةً لهذه الطفرة التكنولوجية الكبيرة، فقد شهد الاقتصاد العالمي ظهور أجيال جديدة من المؤسسات الصغيرة التي استطاعت الاستفادة من مميزات هذا الوضع الجديد الذي يسمح بالحصول على المعرفة ورؤوس الأموال والدخول إلى الأسواق الكبيرة في آن واحد. وظهر مصطلح جديد يطلق على هذه النوعية من المؤسسات الصغيرة الرائدة المقامة على الإبداع والتكنولوجيات والتي تختلف اختلافاً جوهرياً عن مثيلاتها غير الإبداعية والتقليدية في الدول الصناعية، وهو start-up.
من هذا المنطلق وفي هذه الأجواء التنافسية شديدة الصعوبة، وضحت أهمية منظومات العمل المستحدثة التي تعمل على تطوير وتحديث مفهوم دعم ورعاية المؤسسات الصغيرة. وفي هذا المجال تعتبر آلية حاضنات الأعمال المتوسطة من أكثر المنظومات التي تم ابتكارها في الـ 20 سنة الأخيرة فاعلية ونجاحاً في الإسراع في تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والتكنولوجية وإيجاد فرص عمل جديدة، والتي تمت الاستعانة بها في الكثير من دول العالم.
وحاضنات المشروعات أقيمت في الأساس لمواجهة الارتفاع الكبير في معدلات فشل وانهيار المشروعات الصغيرة الجديدة في الأعوام الأولى لإقامتها. وقد أوضحت العديد من الدراسات أن 50 في المائة من المشروعات الجديدة في الولايات المتحدة مثلاً تتعرض للتوقف والانهيار خلال عامين من إقامتها، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 85 في المائة في غضون خمسة أعوام من إقامتها، ولقد لوحظت هذه النسبة المرتفعة للانهيار أيضاً في الدول الأوروبية . إلا أن الدراسات الحديثة التي أُجريت لتقييم تجارب الحاضنات في هذه الدول أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك كفاءة ونجاح الحاضنات في رفع مستوى نجاح هذه المشروعات بشكل كبير. وتوضح الدراسات التي تمت مناقشتها خلال عام 2002 والتي أجراها قطاع الأعمال والمقاولات في الاتحاد الأوروبي أن تجربة الـ 16 دولة الأوروبية في الحاضنات منذ نشأت برامج الحاضنات فيها قد أفرزت نتائج جيدة حيث إن 90 في المائة من جميع الشركات التي تمت إقامتها داخل الحاضنات الأوروبية مازالت تعمل بنجاح بعد مضي أكثر من ثلاثة أعوام على إقامتها.
وحاضنات المشروعات تحتضن المبادرين وأصحاب الأفكار والمشروعات التي تقدم منتجات وخدمات جديدة ومتطورة تؤدي إلى إحداث تنمية متعددة الأهداف، من تكنولوجية واقتصادية واجتماعية في المجتمعات التي تقام بداخلها هذه الحاضنات. وتعمل الحاضنات باختلاف أنواعها وتخصصاتها على إيجاد صور ذهنية للنجاح أمام صاحب المشروع الناشئ، حيث إن الممارسات التي توفرها إدارة الحاضنة تمثل عاملاً جوهرياً في تنمية هذه المشروعات الجديدة بالشكل الذي يجعل بعض الخبراء يطلقون على الحاضنات مسمى "معهد إعداد الشركات".
ومنذ منتصف الثمانينيات الميلادية، وهي الفترة التي تمثل البداية الفعلية لبرامج الحاضنات خاصة في الولايات المتحدة، لم تتوقف منظومة عمل الحاضنات عن التطور والتنوع حتى أصبحت اليوم تمثل صناعة قائمة بذاتها يطلق عليها البعض "صناعة الحاضنات". ومع تطور الحاضنات كأداة للتنمية المتكاملة قام عدد كبير من الدول بوضع برامج وطنية لإقامة عدد من الحاضنات بها. وتذكر الإحصائيات الحديثة أن هناك حالياً نحو 3500 حاضنة أعمال تعمل في مختلف دول العالم منها نحو ألف حاضنة في الولايات المتحدة فقط، وتنتشر نحو 1700 حاضنة في نحو 150 دولة من الدول النامية، تمتلك منها الصين 465 حاضنة وتحقق بذلك المركز الثاني بعد الولايات المتحدة، بينما تمتلك كل من كوريا الجنوبية والبرازيل نحو 200 حاضنة لكل منهما.
إن الفكر الرائد في حاضنات المشروعات بني على أساس تطوير آلية تعمل على احتضان ورعاية أصحاب الأفكار الإبداعية والمشروعات ذات النمو العالي داخل حيز مكاني محدد، صغير نسبياً، يقدم خدمات أساسية مشتركة لدعم المبادرين ورواد الأعمال من أصحاب الأفكار الجديدة والتكنولوجية، وتسهيل فترة البدء في إقامة المشروع وذلك على أسس ومعايير متطورة ومن خلال توفير الموارد المالية المناسبة لطبيعة هذه المشروعات ومواجهة المخاطر العالية المترتبة على إقامتها، بجانب توفير هذه المنظومة للخدمات الإدارية الأساسية، فهي تقدم أيضاً المعونة والاستشارات الفنية المتخصصة والمساعدات التسويقية في بعض الأحيان، وتبعاً لطبيعة المشروعات.
أظهرت الدراسات التي أجريت على بعض الاقتصاديات القوية ومنها اقتصاد معظم الدول الأوروبية، أن اقتصاد هذه الدول يعتمد أساساَ على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث نجد مثلاً أن أكثر من 70 في المائة من جميع الشركات في المملكة المتحدة، يعمل فيها أقل من مائة شخص وتعتبر شركات صغيرة ومتوسطة. من هذا المنطلق ومن أجل المحافظة على النمو الاقتصادي في هذه الدول كان لا بد من العمل على الحفاظ على ديناميكية وحيوية هذا القطاع المهم من الاقتصاد الوطني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمدونة أخبار العرب 2013