الجمعة، 7 أغسطس 2026

ثقافة البخور

 


        بقلم: د. رشا سعيد 



يعيد المؤرخ والشاعر السعودي الدكتور علي الدرورة، المعروف بـ «شاعر البخور»، إحياء ذاكرة العطور العربية الأصيلة؛ فيستحضر عبق المسك والعود والعنبر، وزيت الورد، وماء الزهر، والبخور، واللبان، والصندل، والجاوي، والصنفي، وغيرها من النباتات والمواد العطرية التي ارتبطت بحياة العرب منذ أقدم العصور. 

ومن خلال هذا الاهتمام يعيد إلى الواجهة جانبًا مهمًا من العادات العربية الراسخة التي تمتد جذورها إلى حضارات عريقة تركت بصمتها في التاريخ.






ويمثل إعداد الدراسات التاريخية والتراثية المتخصصة في البخور، وتوظيف هذا الإرث الثقافي في المهرجانات والملتقيات والمؤتمرات، مؤشرًا واضحًا على أهمية هذا الموروث الحضاري، وضرورة إعادة تقديمه للأجيال المعاصرة بعد أن أصبح كثير من تفاصيله غائبًا عن الوعي الثقافي.


وقد خطا الدكتور علي الدرورة خطوة رائدة في هذا المجال، حين جعل ثقافة البخور محورًا للحضور في الملتقيات والمهرجانات الثقافية، وسعى إلى نشرها في مختلف أرجاء الوطن العربي. 

وكانت البداية من المملكة الأردنية الهاشمية، من خلال مشاركته في المهرجان الثاني عشر لجمعية واحة الفكر والأدب، بعد سلسلة من المحاضرات التي تناول فيها تجربته الثقافية مع البخور شعرًا ونثرًا، إلى جانب عرض مؤلفاته المتخصصة في البخور والمباخر والند واللبان والصندل والجاوي والصنفي، وغيرها من أنواع البخور التي عُرفت لدى العرب وغيرهم من الشعوب منذ القدم.


ولم يقتصر اهتمام الدرورة على الجانب التراثي فحسب، بل حرص على ربط ثقافة البخور بالمشهد الثقافي المعاصر، مؤكدًا حضورها في الأدب العربي، ولا سيما الشعر، الذي احتفى بالبخور وروائحه منذ العصر الجاهلي، واستمر هذا الحضور عبر العصور حتى يومنا هذا.


وإذا كانت ثقافة البخور متجذرة في مجتمعات الخليج العربي بحكم ارتباطها التاريخي والعادات الاجتماعية المتوارثة، فإنها لا تحظى بالقدر نفسه من الحضور في كثير من المجتمعات العربية الأخرى. ومن هنا تبرز أهمية الجهود التي بذلها الدكتور علي الدرورة في التعريف بهذا الإرث وإحيائه وإبرازه بوصفه عنصرًا أصيلًا من عناصر الثقافة العربية.


ومن المؤسف أن كثيرًا من أبناء المجتمعات العربية لا يعرفون عن البخور إلا القليل، بل يظن بعضهم أنه نوع واحد، في حين أنه يضم أصنافًا متعددة ومتنوعة. 


وقد أشار الدكتور علي الدرورة إلى أن أنواع البخور تبلغ ثمانية عشر نوعًا رئيسًا، تفرعت منها ثمانية عشر نوعًا آخر، وهو ما يعكس ثراء هذا الموروث وتنوعه.


ولم يكن التعمق في تاريخ البخور وكشف أسراره بالأمر اليسير؛ فقد تطلب سنوات من البحث والتقصي في أنواعه وطرق استعماله ودلالاته الحضارية والثقافية. 


وقد أسهم هذا الجهد في تميز الدكتور علي الدرورة باحثًا في هذا المجال، كما أن حرصه على تقديم هذه الثقافة في المهرجانات والفعاليات الثقافية يعكس إيمانه برسالة الثقافة والأدب، ورغبته الصادقة في نشر المعرفة وإحياء جوانب من التراث العربي تستحق أن تستعاد إلى دائرة الاهتمام.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمدونة أخبار العرب 2013