ا.د حسين عبيد شراد
انبرت الكاتبة إلى تقديم قراءة تزعم لنفسها موقع الحياد بين مشروعَي عبد الله الغذامي وعبد النبي اصطيف، غير أن هذا الادعاء يتبدّد عند اختبار منطقها الداخلي. فقد مالت، في مجمل خطابها، إلى تمثّل موقع المدافع عن مشروع الغذامي، بينما أُحيل اصطيف إلى خانة ((الثقافة المدرسية)) لمجرد تمسّكه بصرامة المفهوم، ودقّة المصطلح، وسلامة الإجراء. وهذه مفارقة تكشف اضطراب المعيار أكثر مما تكشف اختلاف الرؤية.
فمطالبة اصطيف للغذامي بتعريف ((النسق)) وتحديد دلالته لم تكن ترفًا تعليميًا ولا ممارسة صفّية كما زُعم، بل كانت مقتضىً منهجيًا لا غنى عنه في أي مشروع يدّعي تأسيس وتحوّل إبستمولوجي. إن من يعارض نظرية سائدة أو يقترح بديلاً عنها ملزمٌ، قبل كل شيء، بأن يقدّم شرحًا دقيقًا لمصطلحاته، ويحدّد مجالات اشتغالها وحدودها الإجرائية، حتى يستنير بها الدارس ويتمكن من تطبيقها على النصوص، وصولاً إلى كشف ((العيوب النسقية)) التي دعا الغذامي إلى تعريتها والتحرر من هيمنة المصطلحات الجمالية. فكيف يُلام من يطالب بالوضوح المفهومي في لحظة انتقالٍ نظري، بينما تُمنح النظرية الناشئة حقّ الغموض بدعوى التجاوز؟
إن التطبيقات التي قُدمت آنذاك كانت، في جانب منها، بحاجة ماسّة إلى تحديد دقيق للمفاهيم الجديدة، لأن الانتقال من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي ليس مجرد تغيير في زاوية النظر، بل إعادة بناءٍ لجهاز اصطلاحي كامل. وقد أدرك الغذامي نفسه لاحقًا هذه الحاجة، فاستدركها في مؤلفات تالية صدرت بعد الحوار، واشتغل فيها على توضيح بعض مفاهيمه وتوسيعها. وهنا تبرز مفارقة أخرى: إذ طالبت الكاتبة اصطيف بقراءة تلك المؤلفات اللاحقة، مع أن الحوار الذي دار بينهما سبق صدورها زمنًا. فبأي منطق يُحاسَب ناقد على عدم استحضار نصوص لم تكن قد كُتبت بعد؟
ثم إن اعتراض اصطيف على ((العنصر السابع)) لم يكن احتكارًا للعلم، بل كان مساءلةً وظيفية لنموذجٍ تواصلي ارتبط باسم رومان ياكوبسن. والاحتجاج بياكوبسن لا يمنح النموذج حصانة مطلقة، كما أن الإفادة منه لا تعني تحصينه ضد النقاش. وقد أفاد الغذامي من ياكوبسن، كما اتكأ على أطروحة رولان بارت في «موت المؤلف»، وأعاد توظيفها ضمن تصوره للمرآة المقلوبة في ( موت النقد الادبي ) . فالنقاش، إذن، كان حول حدود التوسّع في النموذج لا حول شرعية المعرفة ذاتها.
وفضلاً عن ذلك، فإن اعتراض اصطيف في مسألة التوثيق والإحالات صدر عن وعيٍ راسخ بأخلاقيات البحث العلمي، لا عن نزعة شكلانية. إن التهكم على هذه الصرامة، أو توصيفها بأنها أقرب إلى مناقشة ((رسالة ماجستير)) أو ((سيمينر)) ينطوي على استخفاف بقيم الدرس الجامعي نفسه. فالمناقشة التفصيلية الدقيقة ليست سُبّة، بل هي جوهر العمل الأكاديمي، ولا تُنقص من مقام أستاذ متمرّس، بل تؤكد خبرته وتعمّقه.
إن قراءة الكاتبة، في محصلتها، لم تُنجز موازنة إبستمولوجية عادلة بين المشروعين، بل أعادت إنتاج اصطفافٍ ضمني، وغضّت الطرف عن مقتضيات الوضوح المنهجي حين طُلبت من طرف دون آخر. وكان الأجدر بها أن تعترف بأن مطالبة اصطيف بالتعريف والتوثيق لم تكن «ثقافة مدرسية»، بل ممارسة نقدية أصيلة، أسهمت – شاءت أم أبت – في دفع المشروع الذي دافعت عنه إلى مزيد من الضبط والتطوير. فالنقد لا ينهض بالمجاملات، بل بالمساءلة الصارمة التي تُخضع الجميع لمعيارٍ واحد.
ويزداد هذا الاضطراب وضوحًا عند النظر في كتاب إشكالية المنهج الثقافي/الأدبي: نقد الخطاب ونقد النص ل د راىدة العامري؛ إذ إن العنوان، على ما فيه من إيحاء منهجي واسع، يوهم القارئ بأنه بإزاء عمل يؤصّل لمفهومي "نقد الخطاب" و"نقد النص "ويبيّن حدودهما الإجرائية والفارقة بينهما. غير أن المتن لا ينهض بهذا الادعاء؛ فلم يُقدَّم تحديد دقيق لمفهوم الخطاب بوصفه بنية تداولية-سلطوية، ولا للنص بوصفه كيانًا لغويًا-جماليًا، ولم تُعرض أدوات تحليل مخصوصة بكل حقل، ولا تطبيقات تكشف الفرق العملي بينهما. إن ما قُدِّم في حقيقته قراءة في كتاب ((النقد الثقافي)) وحوارٌ بين الغذامي واصطيف، لا نقدٌ معياري للخطاب أو للنص بالمعنى الاصطلاحي الصارم.
وبذلك ظلّ العنوان أوسع من المحتوى، وأشدّ إيهامًا من منجزه الفعلي؛ إذ لم يتحقق الوعد المنهجي الذي ينتظره القارئ من عمل يعلن مساءلة الخطاب والنص معًا. فالقراءة، مهما بلغت من الحماسة أو البلاغة، لا تُغني عن التأسيس المفهومي، ولا يقوم مقام النقد الإجرائي الصريح تعليقٌ على حوارٍ أو انحيازٌ لأحد طرفيه. والنقد الحقّ إنما يُقاس بقدرته على تحديد المفاهيم، وضبط المصطلحات، وبناء معايير واضحة تطبَّق على الجميع بلا استثناء

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق